عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
203
اللباب في علوم الكتاب
فإن قيل : لا طريق لنا إلى العلم بوجود الملائكة ، ولا إلى العلم بصدق الكتب ، إلّا بواسطة صدق الرّسل ، فإذا كان قول الرسل كالأصل في معرفة الملائكة والكتب ، فلم قدّم الملائكة والكتب في الذّكر على الرّسل ؟ فالجواب : أنّ الأمر ، إن كان كذلك في عقولنا ، إلّا أنّ الترتيب على العكس ؛ لأنّ الملك يوجد أوّلا ، ثم يحصل بواسطة تبليغه نزول الكتب إلى الرسل ، فالمراعى في هذه
--> - والأدب الرائع ما يفوق أفكار أفلاطون ، وأدب « أبي العلاء » ، فلما نظر فيه ، قال : ما هذا الكتاب إلا أوراق كانت في صندوق ، وكان معها شيء من حروف الطباعة ، ثم اهتز الصندوق هزّات متوالية ، فوجد ذلك الكتاب على ما ترون ؛ فهل لا ترمي صاحب تلك الفلسفة بالجنون ؟ ! وإذا كنت لا تسلّم أن باخرة توجد بلا مهندس ، بل لا تسلّم أن كلمة صغيرة توجد بلا كاتب ، فكيف تسلّم أن هذا الكون العظيم الذي بهر العقول ، وحيّر الألباب - قد وجد بلا موجد ، ونظم بلا منظم ، وكان كل ما فيه ؛ من نجوم وغيوم ، وقفار وبحار ، وليل ونهار ، وظلمات وأنوار ، وأشجار وأزهار ، وشموس وأقمار ، إلى أنواع لا يحصيها العدّ ، ولا يأتي عليها الحصر - قد وجدت بلا موجد ؛ إن هذا لهذيان وجنون . « أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ . وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ . تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ . وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ . وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ . رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ » ترشد هذه الآيات إلى أن القائل في السماوات كيف بنيت ، أي كيف نسق هذا النظام البديع ، وارتبطت كواكبها بعضها ببعض ، حتى أشبهت من حيث خضوعها لنظام بديع ، وترتيب عجيب البناء محكم . فمن الذي نظم عقد هذه الكواكب ، ومن الذي رتّبها حتى صارت بهجة للناظرين ، ومن الذي أزاح عنها الخلل ؛ فليس في هذا البناء المحكم فروج ينفذ فيها الخلل ، فتختل دوراتها ، فيصطدم بعضها ببعض اصطداما يتداعى منه ذلك البنيان ، وتندكّ منه السماء « إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً » . إن الذي بيده أمر هذه المجاميع العلويّة والسفليّة ، وتنظيم أمرها ، ويحفظها من الخلل ويعطي كل شيء منها قسطه الطبيعي - لا بد أن يكون موجودا مريدا مختارا . مثل هذا النظام الذي تتجلى فيه الحكمة ، والعناية ، والدقة ، والإحاطة - محال أن ينسب إلى المصادفة كما يقول الملحدون ؛ فإن المصادفة تضادّ النظام ، وتخالفه كل المخالفة . محال أن يكون هذا النظام المتناهي في الدّقة من أثر الفوضى والإهمال ، وأن ينسب إلى عدم الفاعل والموجد . تلك محالات أولية ، يرفض العقل الاقتناع بها ، والركون إليها ، وها هي أكثر الآيات الدالة على وجود الخالق العظيم - آتية بطريق الاستفهام التقريري ، مما يدل على أن الجميع مقرّين بوجوده . « هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ » ؟ « أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ » ؟ « أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » ؟ « أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » ؟ « أروني ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ » ، « أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ » * ، « أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ » ؟ . هذه دلائل واضحة يسلّم بها العقل متى عرضت عليه ؛ لأن في فطرته الاعتراف بها ؛ فقد ثبت بهذه الأدلة ، وبما سبقها من الأدلة العقلية والكونية - أن للعالم صانعا مختارا في إيجاده ، وكون هذا العالم على هذا الوجه المشاهد بدون اضطرار ولا إيجاب .